ابن حزم
82
رسائل ابن حزم الأندلسي
اختص تصوير المحب بهذا القدر ( وهو 2 / 5 القطعة في مجموعها ) نجد أن الجواب على ذلك هو ميل ابن حزم إلى رسم " الشخصية " وهذا يتبين لنا إذا انتقلنا إلى تقرير آخر تحتل فيه " الشخصية " جميع الدورات التي مثلتها القطعة السابقة ، وذلك هو التقرير عن حال المساعد من الإخوان الذي يشترط فيه أن يكون " صديقاً مخلصاً " ، لطيف القول بسيط الطول ، حسن المأخذ ، دقيق المنفذ ، متمكن البيان ، مرهف اللسان ، جليل الحلم ، واسع العلم . . الخ " ففي عملية التكثيف يحشد الكاتب ما يزيد على خمسين جملة في الشروط التي يجب أن تتوفر فيه . أما الحكاية فإنها لا تتطلب تكثيفاً لأنها قائمة على الحركة ، بينا التقرير يقوم على بطء فكري ، من ذلك : " كنت بين يدي أبي الفتح والدي رحمه الله ، وقد أمرني بكتاب أكتبه ، إذ لمحت عيني جارية كنت أكلف بها ، فلم أملك نفسي ورميت الكتاب عن يدي وبادرت نحوها ، وبهت أبي ، وظن أنه عرض لي عارض ، ثم راجعني عقلي ، فسمحت وجهي ، ثم عدت ، واعتذرت بأنه غلبني رعاف " . فأنت ترى أن الاسترسال هنا - على الطبيعة - هو الأغلب وكل جملة في القطعة تنقلنا نقلة جديدة إلى النهاية . غير أن الحكاية نفسها قد تستدعي التكثيف لنفس السبب الذي ذكرناه في التقرير وهو تصوير الشخصية المحورية فيها : " وإني لأعرف من أهل قرطبة من أبناء الكتاب وجلة الخدمة من اسمه أحمد بن فتح : كنت أعهده كثير التصاون ، من بغاة العلم وطلاب الأدب ، يبذ أصحابه في الانقباض ، ويفوقهم في السرعة ، لا ينظر إلا في حلقة فضل الخ " ويمضي في هذا " التشخيص " المكثف وغايته من ذلك إبراز المفارقة القائمة بين حال التصاون التي كان عليها وحال التبذل التي صار إليها ( وهذه الثانية أيضاً تقوم على ممائلة في التكثيف ) ومن الخير أن نتنبه إلى أن هذه الحكاية ليست كالأولى لأنه ليس فيها إلا خبر عن فتى تغيرت حاله .